عجيبة العجائب أن ينقلب الحق باطلاً والباطل حقاً فى زمن لا يقف دون تحقيق المعرفة عقبه، ولا يحول دون سبر أغوارها حائل مما يجعلك دون أدنى ريب تتهم النوايا الدافعة لإعلان الرأى والتصور لأمر حدث منذ خمسة عشر قرناً من الزمان، أمن به قوم قاموا بحقه فنشروه فى الآفاق قرناً بعد قرن يتزايدون ويتكاثرون وما زال إلى اليوم يستقبل عقولاً من شتى بقاع العالم بهرت بآياته وتوقيعاته على جبين الكون وبين مضامين الوجود، لقد صاغ صلى الله عليه وسلم من رسالته شمساً تبهر الأبصار وتأخذ بالألباب هى أنه رسول من ربه السلام برسالة السلام ليس لأتباعه وحدهم وانما للعالمين كما أنه بعث رحمة للعالمين فهو صلى الله عليه وسلم زرع السلام كشجرة وارفة فى بستان الإسلام ليمتد ظله متجاوزاً أهل الإسلام إلى غيرهم أو فجر من جيل السلام الذى ربى عليه صحابته وأمته عيوناً تروى عطاش العالم إلى عزبه وزلاله..!
وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم لأمته: " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، آلا أدلكم على شيئ إذا فعلتموه تحاببتم؟! افشوا السلام بينكم"، وخلاصته لن تدخلو الجنة حتى تفشوا السلام بينكم، وبداهة أن إفشاء السلام ليس نشر التحية المتضمنة لكلمة السلام، وإنما نشر المسالمة، ومنع العدوان والشر فيما بينهم فهذا هو السلام, والذى تدل عليه تحية السلام, فحينما يقول المسلم لأخيه: "السلام عليكم ورحمة الله" فهذا معناه: عهد منى لك ألا يلحقك منى اذى, بل كن فى أمان من ناحيتى وأبشرك برحمة الله وبركاته..!
ونزع النبى صلى الله عليه وسلم رداء الإسلام عن كيان كل مسلم, يتجه بالأذى إلى غيره من المسلمين, فقال فى حديث صحيح:"المسلم من سلم المسلون من لسانه ويده,والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم, والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" فوضع مصباحاً فى يد الجماعة كلها تحكم به وتقوم أعمال أفرادها, فلا يحسب على الإسلام من يتجه بالأذى إلى غيره من المسلمين, وإنما هو خارج مواصفات وخصائص المسلمين, تشرف به الجماعة المسلمة بحال من الأحوال..!
وانظر إلى الفقرة الثانية من الحديث الشريف:" والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم" تجد عجبا من القول, تجده –صلى الله عليه وسلم- يقرر أنه وإذا كان المسلم الحقيقى هو الذى يكف اذاه عن اخوانه فآن المؤمن,- والإيمان درجة يرتفع بها الإنسان درجات عالية فى سلم العلاقة بينه وبين الله- هو الذى يحمى حقوق من فى مجتمعه سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين, ولذلك فى الفقرة الأولى قال – صلى الله عليه وسلم-" من سلم المسلمون من لسانه ويده, وفى الثانية قال صلى الله عليه وسلم -:"من أمنه الناس على دمائهم وأمواله"فكلمةالناس هنا تدل جماعة البشر القاطنين فى المجتمع لا تمايز بينهم بسبب اللون أو الجنس أو العقيدة, وإنما الجميع تحت راية الإسلام وفى ذمته, والمؤمن الحقيقى هوالذى يجعل من نفسه حارسا حامياً لأموالهم ودمائهم, فهل يعقل أن يكون المؤمن هو الحامى والأمين على الحقوق والحرمات ثم لا يبذل السلام لأمته وجماعته؟!
وربما يتساءل البعض: ما الذى يدفع المؤمن إلى رعاية وحماية غير المسلمين؟! فنجد الإجابة نصب عينيك: إنه التزام إسلامى نحو أهل الذمة من مواطنى الأمم الإسلامية التى بها كثرة إسلامية, استقى هذا الإلزام من قاعدة:" لا اكراه فى الدين" أى لا يجوز أن يحمل الإنسان على تغيير دينه أساساً, وكلمة دين تعنى أي دين من الأديان السابقة التى نزل عليها كتاب سماوى وأرسل إليها رسول, فالمسلم يؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين السابقين, ومن أجل ذلك ليس من مهمة الإسلام فى مجتمعاتهم أن يتحول أهل الذمة فيها عن أديانهم إلى الإسلام قصرا وقهراً, وإنما يتعاملون كمسلمين تماماً لا فرق بينهم وبين المسلمين, والقاعدة الثانية هى انتصار النبى صلى الله عليه وسلم للذمى فى مواجهة المسلم, حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "من أذى ذميا فأنا خصمه, ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة" وفى رواية:" ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه, كنت حجيجه يوم القيامة إذ أن القاعدة أن جميع الأمة على مختلف أديانهم هم لبنات فى بنائها المتماسك..!
وهكذا إذا ترقى المسلم يحمل الأمانة والمسئولية عن كل مواطنيه, فماذا يصنع المسلم إذا ترقى أكثر من ذلك؟! إن عمار بن ياسر-رضى الله عنه- يجيب عن هذا السؤال بما ينقل عن النبى صلى الله عليه وسلم من القول:" ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان:الأنصاف من نفسك, والانفاق من الإقتار, وبذل السلام للعالم" وهنا لا يقبل الإسلام أن ينعم وحده بالسلام ولا يصدره إلى ربوع العالم, وإنما يطلب الإسلام من ذويه أن يكونوا أينما حلوا رسل سلام باسم الإسلام يسعد الإسلام بهم..!
ونبينا صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على مائدة السلام, يغرسه ويعمقه فى نفوسهم, وأول بيان أعلنه النبى صلى الله عليه وسلم عند مقدمه المدينة كان دعوى عالمية للسلام لمن أراد دخول الجنة, وهذا ما رواه عبدالله بن سلاب, قال: "حينما قدم النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انجفل الناس, عليه فكنت فيمن انجفل عليه, فوجدته يقول: أيها الناس, اطعموا الطعام, وافشوا السلام, وصلوا بالليل والناس نيام, تدخلوا جنة ربكم بسلام" فنظرت فى وجهه فوجدته ليس بوجه كذاب..!!
فإذا كانت هذه دعوته, وكتاب رسالته الذى لا يأتيه بالباطل من بين يديه ولا من خلفه, ينطق بأن إسم الإله الأحد هو السلام, واسم الجنة التى وعدها الله عز وجل لأهل التذكر والسلام, وتحية أهل التقوى عند الاحتضار من ملائكة هى السلام, كما إن تحيتهم عند دخول الجنة وبداخلها هى السلام, فما أخزى واكذب من يدعى أن نبى الإسلام له بعد ذلك علاقة بإرهاب أو تخريب أو تدمير.
صلى الله عليك يارسول الله

























